يحيي بن حمزة العلوي اليمني

204

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

النكتة الخامسة قوله تعالى : فَكَرِهْتُمُوهُ وإنما عقبه بالإخبار عما هذا حاله . فهو مكروه ، لأن العقول مشيرة إلى ما اختص بخصلة من هذه الخصال . فهو في غاية الكراهة ، فضلا عما إذا كان جامعا لها يكون لا محالة أدخل في الاستكراه ، فلهذا أخبر عنه بكونه مكروها . النكتة السادسة أن الله تعالى صدر هذه الآية بالمحبة ، وختمها بذكر الكراهة ، وإنما فعل ذلك تنبيها على كونها محتوشة بطرفين نقيضين ، متضادين ، فلأجل تمكنها في القلوب وميل الخواطر إلى ملابستها وفعلها ، فهي محبوبة ، ولأجل كونها بمنزلة أكل لحوم الإخوة الأموات مكروهة ، فلا جرم صدرها وختمها بما ذكرناه تنبيها على المعنى الذي أشرنا إليه . النكتة السابعة تلتفت إلى مفردات ألفاظ الآية ، وذلك أن الله تعالى آثر ألفاظها على ما يماثلها في تأدية معناها ، تعويلا على البلاغة وإعطاء لجانب الفصاحة ما يستحقه ، فنزل هذه الآية على هذه الهيئة ، ولم يقل فيها : أيريد رجل منكم أن يمضغ جلد مسلم غائبا فعفتموه ، وما ذاك 7 لا لأن كل واحدة من ألفاظ الآية مختص بفضل بلاغة ، ونوع فصاحة لا يكون مثله ، كما أشرنا إليه ، ومن ذلك قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ثم قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ إلى قوله : فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [ الرعد : 17 ] فهذه الآية لها تقريران : التقرير الأول من جهة ظاهرها ، وهو أن الله أخبر أنه أنزل المطر من السماء فسالت الأودية والشعاب بقدر ما أنزل فيها منه ، من الكثرة والقلة ، فاحتمل السيل لأجل ما اختص به من الحركة ، والانحدار والجرى زبدا رابيا يعلو على ظهر الماء ، ومما توقدون عليه في النار ، أي مما يحتاج إلى الإخلاص من هذه الأحجار المعدنية التي في إخلاصها واجتماعها إلى النار ابتغاء حلية كالذهبيات والفضيات أو متاع ، كالحديد ، والرصاص ، والنحاس ، زبد مثله ، يعنى أن هذه المعادن في أصلها كالزبد ، يشير إلى أن ابتداء خلقتها كذلك ، إلا أنها صارت هكذا بالإخلاص ، ليكون أدخل في الحكمة ، وأظهر في كمال القدرة . « كذلك » أي مثل ما ذكرناه ، من السيل والزبد ، والإشارة بقوله « ذا » إلى المذكور